أسئلة فلسفية .
بين العقل والدماغ
عبدالعزيزالخطابي
أخذت النظرية السلوكية التي سيطرت على علم النفس منذ عشرينات القرن العشرين في التراجع مع بداية السبعينات. وقد أفسحت هذه النظرية المجال لأنموذج paradigm جديد يُبرِز دور العقل في تشكيل الظواهر ويشدد على الارتباط العضوي للظواهر ككل. وقد تجلَّى هذا الأنموذج الجديد في التحول المباشر المتصل بالمعرفة العلمية وبعلاج الحالات النفسية.
لقد كان علم نفس السلوك يتجنب تفسير الظواهر الذاتية التي تتضمن الصور النفسية والأحاسيس والأفكار والذكريات والمضامين الأخرى للتجربة الداخلية من خلال اعتماد مبادئ مادية صرف. ولكن تلك الظواهر ذاتها أصبحت مقبولة على أوسع نطاق، ومستخدَمة كبنى شرعية تقبل التفسير في ميادين العلوم الأكثر موضوعية. وهكذا انتقلت التجربة الإدراكية من كونها حالة لاسببية، هي ظاهرة عابرة epiphenomenon موازية أو مطابقة، إلى كونها سبباً أصيلاً يؤثر بوصفه عملية تفاعل متبادل.
وفي هذا السياق أصبح الأنموذج الجديد الذي اعتمد الذاتية في التفسير بديهياً، ليس فقط في الميادين المعاصرة لعلم النفس، بل وفي مختلف مناهج العلوم وفي مجالات مختلفة من التجارب والأبحاث. وقد اتخذ هذا المثال الجديد صيغاً متنوعة متكاملة، ناتجة عن تنوع الجماعات العلمية. ولما كان علماء النفس يعتبرونه الثورة الثالثة في علم النفس فإنهم ينسبون الثورتين الأولى والثانية، على التوالي، إلى فرويد ومدرسته في التحليل النفسي، وإلى بافلوف[1] وواطسن والمدرسة السلوكية[2].
وعلاوة على ذلك، باتوا ينظرون إلى المبادرة الجديدة على أنها تحقيق للمبادئ الكلانية holistic الذاتية التي نادى بها أبراهام مازلو وكارل روجرز اللذان يناصران علم نفس الإدراك، والظاهراتيون[3] phenomenologists الذين استمرت معاركهم فترة طويلة مع المدرسة السلوكية. ولئن كان بعض العلماء الذين يدعمون أصحاب نظريات الإنسان يميلون إلى الاعتقاد بأن هذه الثورة تشكل تطوراً متماسكاً للنظرية العامة للإنسان يرى بعضهم الآخر فيها تعبيراً عن الاتجاهات الإنسانية–الاجتماعية الفعالة. والحق أن العديد من المفكرين يأخذ بمبدأ الذاتية باعتبارها حصيلة لاتجاهات العصر وتعبيراً عن وجهته الفكرية. وهكذا أخذ غالبية المفكرين ينادون بضرورة إحداث تغيير في علم النفس بعد سيادة علم نفس السلوك حوالى خمسة عقود. وقد شكَّل كل ذلك دليلاً على أن الأنموذج الجديد استطاع أن يفرض نفسه بقوة، كما أكد أن العديد من الاكتشافات العلمية ساهمت في تأكيد ارتباط الظواهر بعضها ببعض واعتبار الذات الإنسانية كينونة فعالة تشكل عاملاً أساسياً يتدخل في الظواهر المراقَبة والموصوفة. وبذلك تبيَّن أن الأنموذج الجديد قادر على تقديم الحلول للعديد من الإشكاليات المطروحة. ففي نطاق علم النفس يرى سبِرِّي[4] أن التحول من السلوكية إلى الذاتية النفسانية يشكل انعطافاً نحو نمط معدَّل من الحتمية، حيث تمَّ التغير الحتمي الجزئي للأنموذج إلى أنموذج يؤكد الحتمية.
يسعى واضعو الأنموذج الجديد إلى جعله أنموذجاً مؤهلاً لتمثيل اتجاه في الفلسفة المعاصرة ونسقاً معتمداً في علم النفس والعلوم الأخرى. ويستطيع هذا الأنموذج أن يوحِّد الأفكار في الفينومينولوجيا. على هذا الأساس، تكون النتيجة وصفاً علمياً معدَّلاً للطبيعة الإنسانية ولكل القوى التي تحكمها، وتحولاً إلى عالم هو عصر جديد، يشير إلى ارتباط العلوم بعضها ببعض، وإلى علاقة العلوم بالقيم، بما يوجِد حلاً لإشكالية الحتمية والحرية وعرضاً لبعض الحلول الأخرى التي تنبئ برؤى تتجلَّى فيها علاقة العلوم المادية بالعلوم الإنسانية؛ هذا بالإضافة إلى الكثير مما يخص مجالات البحث الإنساني والعلمي مما يتطلب فهم ثورة العلم الحديث، أو بالأحرى ثورة الوعي، أسبابها وبنيتها ومعانيها.
تشبه التساؤلات المتعلقة بإشكالية الدماغ–العقل تلك التساؤلات المتعلقة بقضية الكل والجزء. ويسود هذه التساؤلات غموضٌ فلسفي ودلالي هو عرضة لنقاش لا ينتهي ولا يُحَل. وسوف نعرض في هذا البحث لعلاقة وتفاعل العقل والدماغ وفق ما أتى به أشهر علماء فسيولوجيا الأعصاب، أمثال شرِّنغتون[5] وإيكّلز[6] وسبِرِّي، الذين أسندوا علومهم إلى فلسفتي كُون وبوبِّر، واستناروا بأفكار تيار دو شاردان وكارل يونغ. وقد أسهم كل من هؤلاء مساهمة فعالة في خلق الأنموذج الجديد وإحداث التحول الضروري إلى الأنْسَنَة القصوى.
لمحة فلسفية
يمكننا أن نبدأ حديثنا بالتساؤل التالي: ما العلاقة القائمة بين المكوِّنين، العقل والجسم، اللذين يمتلكهما الإنسان؟ والحق أننا لا نجد مفراً من البحث المتصل بهذا الموروث الغني العميق الذي يضعنا مباشرة أمام هذا التساؤل. في محاولة للإجابة عن هذا التساؤل سعى أحد الفيزيائيين، هو تيودور فتشنر،[7] إلى كتابة معادلات تصف العلاقات الوظيفية بين النفسي والفيزيائي. لقد تجلَّت حصيلة أبحاثه في قانون عُرِف بقانون فتشنر–فيبر. وقد عبَّر فيبر عن هذه العلاقة الفيزيائية بطريقة أكثر بساطة وبدائية. واعتقد فتشنر أنه يقيس شيئين مختلفين، المنبِّه الخارجي من جهة، والحدث النفسي من جهة أخرى. أراد فتشنر أن يبرهن بطريقة تجاربية empirical على ما تأرجح الفلاسفة، على مدى مئات السنين، بين نفيه وإثباته.
نبدأ بديكارت الذي قاد في القرن السابع عشر ثورة فكرية استمرت نتائجها حتى بداية القرن العشرين. تحدث ديكارت عن مقولتين للوجود: العقل والمادة، وأقام بينهما علاقة هي علاقة العلَّة بالمعلول، يكون فيها الفكر هو المعطى الأولي. أما هيوم فقد رأى أن وجود عالم حقيقي لا يقوم إلا على الاعتقاد, أي لا يمكن البرهنة عليه. وفي مقابل الشك الديكارتي أخذ هيوم بمذهب الإيمان والشك بالعقل والمادة والمعرفة. بينما ميَّز برغسون أولاً بين العقل والذهن, واعتبر العقل وظيفة من وظائف الذهن موجَّهة نحو المادة الجامدة. وفيما يتعلق بنظرية المعرفة، أي إبستمولوجياً، رأى أن المادة ذات خاصية تحدد صورة العقل وأن العقل لا يفرض صورته على المادة. لقد تكيَّف العقل والمادة كل منهما بالآخر تدريجياً حتى توصَّلا إلى صورة مشتركة. والحق أن ما من مدرسة فلسفية إلا وتطرقت إلى هذه الإشكالية التي تتبنى وجهة نظر ثنائية أو أحادية أو توفيقية. فإما أن تعتبر الوجود الأولي للعقل، أو أن العقل نتاج للمادة، أو تنفي الوجود المادي كحقيقة موضوعية بحيث لا يكون من وجود للمادة إلا من خلال العقل. والحق أن عدم معالجة هذه الإشكالية، بحدِّ ذاته، موقف فلسفي (راجع تصنيف الجدول 1).
يعقب هذا التصنيف سؤال إضافي يطرح القضية على النحو التالي: من يعلن وجود حقيقتين ليس غير؟ ماذا لو كانت هناك عناصر أخرى؟! وفي إجابتنا نقول: قد يلائم بعضهم إضافة لاوعي، هو مركَّب حقيقي أو إضافة ناتجة عن وعي أعلى. والحق أن العديد من المدارس تشير إلى وجود أكثر من نوعين للحقيقة، فتقول بالتعددية؛ ولكن المسألة من الصعوبة بمكان بحيث إننا مدعوون إلى ترك العقائد جانباً ومقاربة المسألة في هذا البحث على طريقة كارل بوبِّر التجريبية، إذ يقول: "أتمنى أن أعترف، منذ البداية، بأنني واقعي، وأقترح، بواقعيتي الساذجة، وجود عالم فيزيائي وعالم آخر يتميز بالوعي، وأعترف بتفاعل هذين العالمين." ويشير الفيزيائي أويغن ويغنر إلى الإشكالية عينها فيقول: "يوجد نوعان من الحقيقة أو الوجود، حقيقة وعي وحقيقة وجود كل شيء آخر. وهذه الأخيرة ليست مطلقة بل نسبية... وإنني أستثني الاحساسات المباشرة من مضمون الوعي، وأعتبر كل شيء يحيا في بنية... بعض هذه البنى أقرب من بعضها الآخر من الاحساسات المباشرة." أما شرودنغر فقد عبَّر عن المسألة تعبيراً وافياً إذ صرَّح عام 1958: "العالم بناء من أحاسيسنا وتصوراتنا وذكرياتنا. ومن الملائم أن ننظر إليه كوجود موضوعي بذاته. وبالتأكيد لا يصير متجلِّياً بمجرد وجوده؛ إذ يتعلق شرط تجلِّيه بقسم خاص من هذا العالم له منطقه، أي ببعض الأحداث التي تقع في الدماغ. وهذا النوع غير الاعتيادي من التضمن يختصر السؤال التالي: ما هي الخصائص التي تميز هذه السيرورات الدماغية وتؤهِّلها لإفراز عملية التجلِّي؟" لقد أصبحت كلمة "عقل"، في رأي علماء العصر ومفكِّريه، الموصل إلى ميادين علم النفس والطب والفيزياء وغيرها.
الآليات العصبية التي تتدخل في عملية الإدراك
رأى أرسطو أن القلب يحتل مركز العقل. وأعطى ديكارت أهمية كبيرة للغدة الصنوبرية. أما وقد تم الكشف عن البنية المجهرية للدماغ بواسطة التقنيات النسيجية المعقدة والمجهر الإلكتروني فيمكن التأكيد على أن الدماغ يمتلك، بلا شك، البنية المناسبة ليكون المرتكز المادي لكل عملية فكرية. وبالطبع لم يتأكد هذا الكشف بالدليل القاطع، وما زال يعتمد على قدرة محدودة جداً على الرصد والملاحظة، يحييهما غالباً تصور وخيال لا حدود لهما.
يُعدُّ القشر الدماغي البنية الأساسية للدماغ؛ فهو يشكل الطبقة السطحية المغلِّفة لخلايا عصبية مجتمعة بكثافة، يُقدَّر عددها بحوالي 10 آلاف مليون خلية. والخلايا العصبية واحدات حية فردية تنقسم إلى عدة أنواع؛ وتتصل كل خلية بالأخرى بواسطة نقاط خاصة تسمى نقاط التساقي synapses. وتتلقى كل خلية عصبية عدة آلاف من الاتصالات بأغصان تنشأ من خلايا عصبية أخرى. وتؤثر كل خلية، بدورها، على عدة مئات أو آلاف الخلايا العصبية الأخرى. وهكذا يمكن تمثيل القشر الدماغي بشبكة هاتفية، حيث تتلقى كل خلية عصبية رسائل من مئات الخلايا العصبية الأخرى (تلاقي convergence) وتقوم، بدورها، بتزويد الخلايا الأخرى (تشعُّب divergence).
وإذا كان علينا أن نرسم تخطيطاً هندسياً لهذه البنية فلن يكون ذلك ممكناً بواسطة الأبعاد التقليدية الثنائية أو الثلاثية، بل بعدد متغير من الأبعاد قد يصل إلى المئات. وقد يشكِّل مثل هذا العدد – عدد التلاقي أو التشعُّب – تحدياً كبيراً للهندسة المتعددة الأبعاد.
يوجد في القشر الدماغي نوعان من التساقيات: تساقيات منبِّهة excitory وتساقيات مثبِّطة inhibitory. وفي هذا التعقيد الخلوي الواسع المتعدد الأبعاد تشكِّل كل خلية عصبية موضوعاً لرسائل التساقيات المنبِّهة والمثبِّطة بحيث تكون أجوبةُ الخلايا الحاصلَ الصافي للتأثير المحدَث عليها (فرق التأثير). ويُقدَّر الوقت الأساسي الضروري لعمل خلية عصبية بـ 0,001 من الثانية للخلايا ذات المحاور الأسطوانية القصيرة. وهذا يمثل الوقت الكلِّي بين تلقِّي التنبيه الذي يطلق نزع الاستقطاب depolarization من على إحدى نقاط التساقي وبين وصوله إلى نقاط التساقي على الخلايا العصبية الأخرى. ويؤدي نشوء الاستقطاب في مجموعة من الخلايا العصبية إلى انتشاره السريع إلى ملايين الخلايا في أجزاء الألف من الثانية. ولكن نقاط التساقي المثبِّطة تكبح هذا الانتشار الانفجاري الخطير. وحتى الآن لم يتم تصوُّر وفهم طريقة العمل العصبي الذي يتضمن نشاط عشرات الملايين من العصبونات neurons في القشر الدماغي, ذلك النشاط الذي ينشأ أثناء كل أنواع التجارب الإدراكية، كالذكريات والأفكار والنوايا. وقد أضاءت الدراساتُ المنصبَّة على الطريقة التي يستعلم بها الدماغ عما يجري في العالمين الخارجي والداخلي عمليةَ الإبصار بكثير من النجاح: تصل موجات إلكترومغناطيسية من 400-700 ميليميكرون إلى الشبكية لإعطاء تنبيهات على مسار ألياف العصب البصري، فتجتاز السيالة الكهربية ألياف العصب البصري، وتنتقل المعلومات من الشبكية إلى القشر البصري بشكل مُرمَّز من خلال تردد النبض في الليف العصبي والعلاقة الطوبوغرافية بين المنشأ الشبكي والنهايات القشرية.
يعتقد بعضهم، علماء وفلاسفة، أن الأحداث العصبية هي الشرط الضروري الوحيد والكافي لعملية الإدراك. بكلمات أخرى نقول: ليس ثمة انفصال بين التجربة النفسية والأحداث العصبية. وتسمى هذه النظرية الفيزيائية بفرضية التماثل أو التطابق identity hypothesis. ومما لا شك فيه أن الأحداث العصبية المنتقلة من الشبكية إلى التنبيهات العصبية المعقدة في القشر الدماغي تحمل المعلومات الضرورية لعملية الإدراك على نحو مُرمَّز. وهذا شرط ضروري لعملية الإدراك. ولكن فرضية التطابق التي تعتبره الشرط الكافي تستعمل طريقة بارعة لتغطية المأزق الهام الذي يتطلب تفسير كيفية تحوُّل هذه المعلومات المرمَّزة إلى صور وألوان وأسماء مؤدية إلى ردود وأفعال إرادية... على هذا الأساس نعترف بأن فعل الإدراك لا ينشأ بمجرد تفعيل القشر الدماغي، رغم اعتباره فعلاً ضرورياً على طريق توليد فعالية أعلى تتعلق مباشرة بالوعي.
وقد ظهر أن هذه المراحل الأولى من التفعيل لا تعيقها أو توقفها عمليات التخدير العميقة نسبياً، وذلك بحسب ما ظهر من خلال الاستجابة الكهربائية للقشر (جاسبر، 1966). إضافة إلى ذلك فقد اتضح أن وميض الضوء يتطلب على الأقل 0,2 من الثانية من النشاط الدماغي قبل حصول عملية الإدراك (تجارب كروفورد، 1927). ومن أفضل التجارب التي أجريت لدراسة ظاهرة الفترة الزمنية السابقة للإدراك، هي تلك التي قام بها ليبت وزملاؤه على القسم الحسَّاس من القشر الدماغي للتنبيهات السطحية على الجسم. وقد وجدوا، بعد توافر شروط عتبة التنبيه كلِّها، ضرورة انقضاء نصف ثانية على الأقل قبل بدء الإحساس بالتجربة.
حالات الوعي
تسمح هذه اللمحة عن الفعالية العصبية لتجربة الإدراك باستبعاد أية أفكار تبسيطية لما تذهب إليه فرضية التماثل التي تدَّعي بأن مجرد وجود الفعالية العصبية في القشر الدماغي يعني الإدراك. والحق أنه يجب علينا، أولاً وقبل كل شيء، التذكير بوجود فعالية عصبية واسعة في القشر الدماغي عند المرء الصاحي، حتى في غياب الواردات الحسية. وتشير التجارب إلى وجود فعالية عصبية في القشر الدماغي أثناء النوم تتفعَّل وتتضخم خلال فترات الأحلام. ومع هذا نعلم أن فترة من الوقت ضرورية للانتقال عبر نقاط التساقي المختلفة، وتوليد الفعالية العصبية قبل ظهور فعل الإدراك. وأخيراً يجب أن نعرف أن الانتباه مطلوب لتسجيل خبرة واعية، وأن جزءاً صغيراً من التعقيد العصبي يدخل في التجربة، الأمر الذي يجنِّبنا الشواش الضخم الذي يمكن أن يحصل إذا تداخلت في عملية الإدراك كل الفعالية الدماغية الممكنة في أي وقت.
وعلى نحو مباشر, يفيدنا تفحُّص طبيعة عملية الإدراك أيضاً بأنها متعددة الوجوه؛ إذ لا ندرك في حقلنا البصري العلاقات بين الأشياء فحسب، بل ندرك أيضاً درجة إضاءتها وألوانها... وهذا لأن اللون معلومة مرمَّزة ترميزاً خاصاً، ومشتقة مما يَرِد إلى الشبكية التي تمتلك مستقبلات ضوئية خاصة للَّونين الأحمر والأخضر.
من خلال هذه الخصوصية التي تتميز بها عملية النقل تصل المعلومات إلى البنى الدماغية القشرية حيث ينشأ إدراك اللون. وفي الواقع، يجب الاعتراف بأن اللون ينشأ في الصورة كخبرة مشتقة من بعض الأنماط المرمَّزة ترميزاً خاصاً. وهذا يقودنا إلى الاستنتاج التالي: لا يوجد لون في العالم الموضوعي. وهكذا يمكننا تعميم الأحكام ذاتها على الحواس الأخرى فنقول: لا يوجد صوت أو أصوات تتميز بصفات في العالم الخارجي... وعلى غير ذلك، توجد أنماط خاصة من الفعَّالية العصبية تتحول إلى تجربة إدراكية كحصيلة إبداعية كلِّية.
نخلص من هنا إلى النتيجة البسيطة التالية: إننا نملك كل ما يمكن تخيله من تعقيد للعمليات العصبية الدماغية – هذا التعقيد الذي يتسامى فوق أي تقدير إنساني. فكما يقول شرِّنغتون: "تختلف التجارب الإدراكية عن أية آلية دماغية. والحق أن الآليات الدماغية ضرورية لعملية الإدراك لكنها ليست بالضرورة شرطاً كافياً. إن أكثر العمليات الدماغية تعقيداً تحدث ضمن العالم المادي... وفوق هذا المستوى يوجد عالم العقل، عالم التجربة الإدراكية، أو، كما يسميه تيار دو شاردان، النوسفير Noosphere."
ينتمي الاعتقاد بوجود عالم مستقل لحالات الوعي – عالم أشار إليه كل من ويغنر وبوبِّر وشرودنغر – إلى تاريخ يزخر بالأفكار. فقد تحدث ديكارت عن ثنائية العقل والمادة؛ وأشار إلى أن الإدراك ينشأ من الإشارات التي تنقلها الحواس إلى الدماغ، وأن العقل قادر أن يلعب دوراً في التأثير على العالم الخارجي. وتُفسِّر العبارة الأخيرة حقيقة الفعل الإرادي والاختيار الحر.
مفهوم العالم الثلاثي عند كارل بوبِّر
يشكِّل العديد من الآراء الفلسفية تطورات وتنويعات على العالمين الذين قال بهما ديكارت، المدعوين بالثنائية. وبين الكثيرين الذين أخذوا بهذه الآراء جون إكّلز الذي كان يعتقد أن هذين العالمين يؤمِّنان فهماً مناسباً لخبرتنا وثقافتنا كلِّها. وقد طرأ على أفكاره شيء من التعديل بعد أن اطَّلع على آراء بوبِّر وتصوراته لعوالم ثلاثة.
رسم 2: جدول بمحتويات العوالم الثلاثة
1. العالم الأول هو عالم الحالات والموضوعات المادية... ولا يحتوي هذا العالم المادة اللاعضوية وطاقة الكون فحسب، بل يحتوي أيضاً بنى وأفعال الكائنات الحية، من نبات وحيوان، والأدمغة البشرية ذاتها؛ وإضافة إلى ذلك يحتوي المنتجات المادية التي يصنعها الإنسان، كالأدوات والآلات والكتب والأعمال الفنية والأفلام والكومبيوترات.
2. العالم الثاني هو عالم الإدراك والحالات النفسية. إنه العالم الذي يعرفه كلٌّ منا في ذاته، بالدرجة الأولى، وفي الآخرين، عن طريق التداخل بالدرجة الثانية. إنه عالم المعرفة الذاتية، الذي يحتوي خبراتنا الناتجة عن تصوراتنا وتفكيرنا وعواطفنا وخيالاتنا ونوايانا وذكرياتنا.
3. العالم الثالث هو عالم المعرفة الموضوعية الذي يشمل مجموعة واسعة جداً من المضامين. إنه تمثيل تعبيرات الأفكار العلمية والأدبية والفنية التي حُفِظَت بشكل وثائقي في المكتبات والمتاحف وشبكة إنترنت وتسجيلات الثقافة الإنسانية كلِّها.
وعلى سبيل المثال، تقع الوثائق، كالكتب المركبة من جزيئات المادة (كالحبر والورق) في العالم الأول. أما الصور والمعرفة التي تحملها الطباعة فموجودة في العالم الثالث. تتمثل المحتويات الأكثر أهمية في العالم الثالث في الأنساق النظرية التي تشمل المشكلات العلمية والآراء النقدية المتعلقة بمناقشة هذه المشكلات. وخلاصة القول إن العالم الثالث يزخر بتسجيلات المجهودات الفكرية للإنسانية جمعاء عبر العصور حتى اليوم، أي ما يمكن أن نسميه الموروث الثقافي.
ويُظهِر الجدول 2 طريقة التفاعلات بين العوالم الثلاثة كما حدَّدها بوبر. فهناك تحول متبادل بين العالمين الأول والثاني وبين الثاني والثالث. أما التبادل بين العالمين الأول والثالث فلا يتم إلا من خلال العالم الثاني وبواسطته. ويبقى العالم الثاني – وهو عالم المعرفة الذاتية – خاصاً بكل فرد. ومع ذلك يظل في حالة تلقٍّ ونقل مستمرين بينه وبين العالم الأول، ونعني من خلال العلاقة القائمة مع الأشخاص الآخرين والمحيط. أما العالم الثالث فيتقاسمه عدد كبير من الأشخاص. ومع ذلك يقوم كل فرد بمعاينة الجزء أو الأجزاء التي تهمُّه من هذا العالم.
رسم 3: الطرق الرئيسية لدفق المعلومات عند الإنسان
يُظهِر الرسم، على بساطته وعند المستوى الأدنى من التمثيل الرمزي، تعقيداً كبيراً. يظهر الجسم منفصلاً عن العالم الأول. ويبيِّن أحد الأسهم طريق التلقِّي من العالم الأول، أي الطرق الوافدة. وبالمقابل، توجد الطرق العصبية الهابطة التي تقود الأوامر من الدماغ إلى الأعضاء المنفِّذة، كالعضلات، التي تترك آثارها على العالم الأول. الخط المعترض في الدماغ يُظهِر المنعكسات اللاواعية المتنوعة. والسهم العمودي الصاعد يتابع اتجاهه إلى الأعلى حتى يصل إلى المستطيل العلوي الذي يمثل ذلك الجزء من الدماغ الذي تتصل فعاليته مع العقل الواعي للعالم الثاني. يوضح الرسم أن الأعضاء المتلقِّية والطرق العصبية تؤمِّن الأقنية الوحيدة للتواصل التي يمكن للدماغ بواسطتها الإحساس بالأحداث في العالم الخارجي، أي العالم الأول، وليس العالم الثالث بالطبع. أما العالم الثالث فلا يمكن الإحساس به مباشرة، ولكنه، مع ذلك، يظل على صلة بجزء خاص من العالم الأول، العالم 1–ب، الذي يتجسد بالأوراق والحبر التي تشكِّل الكتب.
تنتقل الكلمات والأحرف المطبوعة برموز أو أنماط عصبية متنوعة من الشبكية إلى قشر الدماغ المسؤول عن الرؤية، وإلى المراكز الدماغية المحلِّلة للرموز التي تمنح الخبرة الإدراكية للعالم الثاني. وبالمقابل، يحدث الانتقال من العالم الثاني إلى العالم الثالث، كتعبير عن فكرة علمية أو فنية على سبيل المثال، بالطرق الصادرة إلى الأعضاء المنفِّذة، ومنها إلى قسم خاص، هو العالم 1–ب، حيث تُسجَّل الرسالة المرمَّزة.
يتضح لنا أن إدخال تعقيد إضافي على الدماغ (رسم 3) أمر تقتضيه الضرورة، أي المقر المركزي الذي يمثل مخازن الذاكرة للمحتويات التي تعود بشكل خاص للعالم الثالث. وهذا لأن ما يمكن تسجيله في العالم الثالث يمكن حفظه أيضاً في الذاكرة (3–ب). وعندئذٍ يحضر الذهن مباشرة في النقاشات العلمية أو الفنية أو القضايا الثقافية الأخرى. والحق أن إسهامات العلماء في مؤتمر علمي تتأتى غالباً من مخازن الذاكرة للمشاركين، وليس من الكتب التي يمكن إحضارها. وينطبق هذا المثال على الملاحم والقصائد والسِّيَر والأساطير والقصص التي تستمر حية في ذاكرة الأجيال المتعاقبة.
الوجود المستقل للعالم الثالث: عالم المعرفة الموضوعية
في محاولة لوصف الوجود المستقل للعالم الثالث قدَّم بوبِّر تجربتين عقليتين:
1. التجربة الأولى: لو أن أدواتنا وآلاتنا ومعلوماتنا الذاتية، بما فيها المعرفة الذاتية عن الآلات والأدوات وكيفية استعمالها تعرضت للتدمير، لبقيت المكتبات وقدرتنا على التعلُّم والحفظ قائمة. من الواضح أن عالمنا – بعد معاناة ما – سيعود إلى ما كان عليه.
2. التجربة الثانية: لو أن كل الأدوات والآلات ومعارفنا الذاتية، بما فيها كل ما يتعلق بتلك الآلات والأدوات وكيفية استعمالها تعرضت للتدمير، ودُمِّرت معها المكتبات، لأصبحت قدرتنا على التعلُّم من الكتب عديمة الفائدة.
نستنتج ما يلي: إن التفكير في هاتين التجربتين يجعل درجة استقلالية العالم الثالث ومعناه، بما في ذلك قدرته التأثير على العالمين الأول والثاني، أوضح بكثير. ونتبين كيف تصبح عودة حضارتنا إلى سابق عهدها في الحالة الثانية متعذرة قبل بضعة آلاف من السنين.
يجدر بنا أن نعترف بأن المعرفة الموضوعية (العالم الثالث) هي نتاج للنشاط الثقافي والفكري الإنساني. وعلى الرغم من وجودها المستقل عن موضوع المعرفة إلا أنها يجب أيضاً أن تكون قابلة لأن تُعرَف. وهذا يعني أن لها وجوداً مستقلاً، إنما ليس استقلالاً نهائياً ومطلقاً. وتُعدُّ رُقُم إيبلا التي اكتشفت منذ سنوات مثالاً واضحاً على ذلك. وعلى الرغم من بقاء تلك الرُّقُم مدفونة تحت التراب لفترة طويلة، لكن المعلومات التي حملتها كانت دائماً موجودة في العالم الثالث. ويعود وجودها الدائم إلى إمكان فهمها وإدراكها من خلال حلِّ رموزها وأبجديتها.
لقد أطلق كارل بوبِّر على العالم الثالث تسمية عالم الفكر الموضوعي. وقد يبدو ذلك للوهلة الأولى شبيهاً بعالم صور ومثل أفلاطون، لكنه يختلف عنه في الواقع. ففي رأي أفلاطون أن العالم الثالث يحتوي في ذاته على الحقائق النهائية التي تؤمِّن الشروح والتفسيرات والمعاني النهائية لكل تجاربنا. والواقع أن فهم هذه الحقائق الأبدية مرهون بجهودنا الذاتية؛ لذا يقتضي الأمر أن نرنو إليها ونحدسها، دون أن ننقدها أو نغيرها. وهكذا يتضح أن عالم أفلاطون يختلف عن عالم بوبِّر الذي يصنعه الإنسان بجهوده الهادفة إلى فهم العالم الأول والعالم الثاني ذاته. وفي سبيل ذلك نسعى، من خلال طرح الإشكاليات وتصارع الأفكار، إلى استخراج فهم أعمق لتجربتنا ككل. والحق أن ذلك المجهود النفسي، النقدي والخلاق، الذي تكمن فيه التفاعلات بين العالم الأول والذات المختبِرة للعالم الثاني من جهة، وبين التفاعل بين الذات (العالم الثاني) وعالم الفكر الموضوعي (العالم الثالث) من جهة ثانية، يُعدُّ سعياً سامياً ورفيعاً؛ وهذا لأن عالم الموضوعات القابلة للتمثل في الفكر هو عالم الحضارات والثقافات، انطلاقاً من العصور القديمة وانتهاء بالإبداع والخلق الماثلين في عصرنا هذا.
نشوء إدراك الذات
نستعمل عبارة العقل الواعي بذاته في سياق التجارب النفسية العليا التي تجعلنا نعرف أننا نعرف. ويشكِّل هذا السياق أساساً ومقياساً استبطانياً ذاتياً. ويمكننا، من خلال الاتصال اللغوي التعبيري، أن نتثبَّت من أن كائنات إنسانية أخرى تقاسمنا تجربة معرفة الذات نفسها. ويعبِّر تيار دو شاردان عن إدراك الذات بقوله: "من وجهة نظر تجربتنا يشكِّل التفكير، كما تدلُّ عليه الكلمة، القدرة التي يكتسبها وعي يلتف إلى داخل ذاته، ويتِّخذ من ذاته موضوعاً يتصف بثبات خاص ذي قيمة كبرى. وهذا يعني أن الإنسان يعرف ويعرف أنه يعرف." ويتحدث دوبجانسكي عن إدراك الذات قائلاً: "يُعَدُّ إدراك الذات خاصية من الخصائص الأساسية للكائن الإنساني، وقد شكَّل هذا الحدث ظاهرة في التطور بحيث إن الكائنات الحية التي تتحدَّر منها الإنسانية لا تمتلك إلا إرهاصات أو غياب تام لوعي الذات." أما كارل بوبِّر فيقول: "إن الفكر القادر على أن ينعكس على ذاته هو في الحقيقة أحد أكبر المعجزات."
ومع ذلك، يحمِّل اليائسون من الناس إدراك الذات المفاهيم التالية: الخوف والقلق والموت. وبهذا يشكِّل خوف الإنسان من الموت المعوِّق الرئيسي، بحيث إن الإنسان الذي يخشى الموت يتحدَّر من أجداد لم يدركوا شيئاً عن هذه التجربة.
يشير التطور التدريجي لوعي الوليد إلى وعي الطفل النامي إلى تطور إدراك الذات عند الإنسان. وثمة دليل على وجود معرفة بدائية للذات عند الشيمبنزي الذي يستطيع التعرُّف إلى ذاته في المرآة، ويحاول محو علامة ملونة وُضِعَت على وجهه. ويبدو أن إدراك الذات البدائي، إبان سيرورة تطور الفرد، يظهر في صدمة تجربة الموت – الظاهرة المتجلِّية في الاحتفالات الجنائزية المتصلة بالمعتقدات الدينية المختلفة للشعوب. والحق أن الشيء ذاته يقع للطفل؛ وهذا لأن تحقيق الذات يسبق بسنوات الإدراك الناتج عن تجربة الموت.
وقد يكون من المفيد أن نتمثل انتقال المعلومات إبان ظهور إدراك الذات. يتألف عالم التجارب الإدراكية (العالم الثاني) من ثلاثة مكوِّنات رئيسية:
أ. حواس خارجية،
ب. وحواس داخلية
ت. تندمج في المركز الذي نسميه "الأنا" (الرسم 4).
ولئن كنا نفترض أن الحيوانات العليا تعي، لكنها لا تعي ذاتها، فإنه يمكننا حذف القسم المركزي فيما يخصها والاحتفاظ بالعناصر التابعة للحواس الخارجية والداخلية (رسم 5). ولقد أظهر تدريب القرود على الكلام أن الانفعالات تلعب دوراً غالباً في تركيز القردة على الاستخدام البراغماتي (=الذرائعي) للُّغة، بغية الحصول على ما تريد. وعن الظهور التطوري لإدراك الذات ذكر دافيد لاك وكونراد لورنتس أن هناك هاوية لا يمكن اجتيازها بين النفس والجسم. ومع ذلك، يقتضي الأمر أن نعتمد على نواة مركزية، ونعمل على تنميتها لنثبت الظهور الكلِّي للنفس. ومن خلال سيرورة تطور الإنسان نشاهد الانتقالات بين الحالات المبينة في الرسمين 4 و 5.
تشبَّه هذه الانتقالات بالانتقال التدريجي من الوليد إلى الطفل البالغ. وفي كل الأحوال تتسم هذه العملية بالمعجزة. وقد أشار كارل غوستاف يونغ في كتبه إلى أن غياب المركز عن حقل الوعي (أي غياب الأنا) يلغي عملية إدراك الأنا للحقل الواعي ذاته، ويلغي، بالتالي، إمكانية إدراك الذات والفعل الإرادي. وهذا لأن يونغ يرى أن الأنا مجهَّزة بقدرة عظيمة خلاقة هي اكتساب إنساني متأخر يسميه الإرادة.
الإنسان والعالم الثالث (عالم المعرفة الموضوعية)
إذا كان الوليد يمتلك دماغاً إنسانياً فإن تجربته مع العالم الثاني تظل بدائية جداً، وتجربته مع العالم الثالث تظل معدومة. وهذا يقودنا إلى القول بأن الوليد لا يمتلك شخصية خاصة مستقلة. ويُعَدُّ نشوء وتنامي إدراك الذات (العالم الثاني)، بفضل التعامل مع العالم الثالث، عالم الثقافة، صيرورة مغلقة سرية. ويمكن فهمها على أنها بنية مزدوجة متصاعدة ومتنامية ومتواصلة بعضها مع بعض بصلات متصالبة فعالة (رسم 6). يمثل السهم العمودي في الرسم التوضيحي مسار الزمن انطلاقاً من التجارب الأولى للطفل حتى تشكُّل البالغ المكتمل مروراً بالطفولة. ولكل درجة من درجات العالم الثاني صلة مع المستوى ذاته من العالم الثالث. ويتكرر الأمر في الدرجة الأعلى حيث المستوى الأعلى يمثِّل تزايداً في ثقافة الشخص على نحو رمزي. بدورها، تؤثر مصادر الذات من العالم الثالث على نفسها من أجل خلق مستوى من الوعي أكثر رفعة واتساعاً لهذه الذات. وهكذا يتطور كل منا تدريجياً بعملية خلق ذات تتابع نموها خلال الحياة. والحق أن ما نحن عليه يتعلق بالعالم الثالث الذي استغرقت أنفسُنا فيه، وبالفعالية التي تمَّ بها استغلال الفرص المتاحة لاستخراج الحدِّ الأقصى من قدراتنا الدماغية الكامنة.
لإيضاح أهمية العالم الثالث نذكر إحدى الحالات المأساوية التي أدَّت إلى عزل طفل عمره سنة في حجرة حتى بلغ الرابعة عشر. وبعد تحريره احتفظ بكيانه الإنساني وفق شخصيته، إذ كان في أدنى درجات السلم. والحق أن العناية الطبية، المكثفة والمخلصة، أوصلته إلى سنِّ العاشرة ذهنياً. وعلى الرغم من قيام النصف الأيمن من الدماغ بتأمين الحد الأدنى المطلوب من الكلام، لكن أضراراً بالغة أصابت النصف الأيسر بسبب الامتناع عن الكلام. كما استطاع الطفل أن يصبح شخصاً واعياً يمتلك أحاسيس وقدرات يدوية وبصرية، على الرغم من الانغماس المتأخر جداً في العالم الثالث. هكذا نتبيَّن الأهمية الكبرى للعالم الثالث بالنسبة للإنسان. فإن كان الدماغ يتشكَّل من المعلومات المتضمنة في الشيفرة الوراثية، لكن الشخصية تتشكَّل عن طريق العالم الثالث، أي بالتعلُّم والاكتساب. لقد كان الطفل المذكور يعاني من فجوة أحدثَها غياب التعلُّم والتعامل مع العالم الخارجي لمدة ثلاثة عشر عاماً.
نقتطف بعض ما يقوله تيار دو شاردان في كتابه ظاهرة الإنسان: "حالما يولد الطفل يصبح التنفس ض