كاموفلاج السياسي العراقي وهرمجدون العراق الحديث




: - 08-02-2012 | ( ) |
اساس السياسة الثقافة والوعي وادراك مقدمة الفعل ونتيجته. اما ركيزتها فالحكمة وميدانها فهو المجتمع. والثقافة والعلم يحددان سلوك السياسي حتى مع الخصم. لذا يمكن ترتيب الاصطلاح بسيكولوجيا السياسي وعليه وجد "علم النفس السياسي" بناء على هذا.
للسياسة الناجحة آفاق معرفية تؤسس لمنطلقات جديدة، تجتاز صعاب الماضي بقفزات نوعية تأتي على كل تقليد غير كفوء، باعتبارها تشمل مدخلات حياة الفرد والمجتمع.
قالوا فيها انها فن الممكن، وفسروا السياسة بفنون إدارة المجتمع الذي يتخذ صورة تسمى الدولة. فان ضبط الاداء دستورياً سيرقى الفرد والمجتمع. وربما يكون العكس فيباد مجتمع وتحل خسارة كارثية بأداء سياسي سلبي كالذي حصل من الديكتاتور المشنوق صدام وما خلفه من كوارث سيبقى العراق أرضاً وانساناً يئن منها ربما لجيل كامل اخر غير جيلنا.
اذن، نجاح الدولة لاسعاد المجتمع يعتمد فيما لو كانت الحكمة رأس السياسة. وستفلح بإنشاء جمهورية كجمهورية افلاطون المثالية أو مدينة الفارابي الفاضلة. وعكسه اذا كان هرم الحكم يتمثل بجهل ادواره في الجشع والتحزب الصنمي والخصومات اللامبررة فستعود القهقرى بالحكم ربما لسنيّ مهازل قاراقوش واستبداد الحجاج الثقفي وخوار سلطان بني امية على عهد اخر ملوكها مروان الحمار كما نلاحظه في أنظمة تملأ أرض العرب اليوم.
ساسة العراق اليوم دون استثناء كلاسكيون- وليس في هذا مأخذ- لكنه اسلوب نمطي عتيق لا يتقدم معه المجتمع فهو يراوح في حلقة الـ (يس يم) وهو يتوافر في دول كثيرة يسمونها (النامية) وهي لم ترتقي مذ نعتوها بالنامية قبل حوالي قرن.
بديهيا انه لو كان هم السياسي تصفية خصم او معارض يشاركه السلطة، فسيترك أثاراً سلبية خطيرة منها ما فتك بشريحة واسعة في العراق، وصعّد نزعة التفرد بأقوى صورها داخل الحزب والتنظيم وفي عموم السلطة والحكم.
ومن مخازي السياسة التقليدية، انها تنتهي الى الفرعونية والصنمية في مجتمعات لم تأخذ نصيباً من الوعي. فيتمدد داء العظمة بين القادة الكلاسيكيين كما هو جليّ في خراب دول كان لها ان تكون عظمى كإيطاليا قبل ان يهتكها نيرون.
السلوك الفردي لأي سياسي مصاب بالعظمة مع قرار مستبد مبيّت في جحر حزبه يكشف عن فضيحة تلقي بظلالها عاتية على الشعب وتؤسس لمعضلة تستفز بقية الاحزاب للهرولة نحو التسلط والتفرد.‏
العراق مثلا، بعد اندثار الديكتاتورية الصدامية، ابتلي بانماط سياسية اعتمدت مناهج كلاسيكية تماثل [البعثي] في تعظيم وتأليه شخص واحد ومن ثم الانبطاح له وان كان صبيا يفتقر للتجربة. انماط نتائجها تتركز بالفاشية لتصفية الخصم وان كان قديساً.
غاية ما نتج في بغداد، ان جيء بمنظومة سياسية تختلف عن منهج المشنوق صدام في انها تبدع مؤامرات خلف كواليس الحزب والمنظمة والتجمع والتشكيل الطامع بالسلطة، وربما بنفس اساليب وقرار القائد الضرورة. وفارق اخر ان منظومة الحكم الحالي جاءت بانتخابات قانونية بعد جملة شعارات إلتحفت بالحكمة والاخلاص لكنها تبددت الى نزاعات شخصية وأسرية وحزبية استعرت نيرانها في السنوات الاربعة الاخيرة مما شكل تقاذفات بين الفرقاء الساسة برّزت العداء القديم وكشفت النوايا المبيتة في السجال الدائر. وكلهم يحمل شعار: ملاك السياسة العدل.
في الواقع: لا تعدو احزاب العراق حال الدولاب الذي لا يستقر على موقف ثابت. وهو ما يقتضي مزاولتهم الدائمة لمساحيق الكاموفلاج لاخفاء المساوئ والتمظهر بزي القديس والراهب.
على مر حكومات العراق، وجدنا الهرمجدون بانواع الكوارث واحداث العنف والدم والاستبداد بنسب متفاوته لكنه يتصاعد بمباركة مرضى اعتادوا التراتبية المقيتة في طاعتهم كزعيم الحزب رغم اقرارهم انها صفة جهل وتعصب. وبالنتيجة تتوالد دكتاتورية مبطنة داخل التشكيل السياسي نفسه، وهيهات ان تجد شخصية منتمية تعترض على زعيمها او رئيسها او امين عام الحزب والمنظمة والكتلة السياسية. في حين لم يك هذا بمثل صورته اليوم حينما كانت هذه الاحزاب والتكتلات تشكل قوى معارضة لنظام صدام التكريتي بل كانت تلتقي بين فترة واخرى تحت يافطة رفض الطاغوتية والتفرد. وكم من مناسبة استغلت في ميدان المعارضة لتصفية وتسقيط خصم سياسي بعنوان محاربة الديكتاتورية التي تورطوا كلهم اليوم فيها بعد ان منحهم ابناء الشعب الثقة.
الظن، الشك، الخوف، التفرد وحب البقاء في السلطة ابداً، ترافقها إتهامات الخصم بالتآمر، ومروراً بفشل كيان سياسي وانحسار شعبيته.. كل اؤلئك فضح النوايا المبيتة والتسطح الثقافي في اروقة السياسة العراقية ليشجع فكرة المارد الاوحد كقيمة وحيدة للتحكم بجماجم الساسة الخصوم المتطاحنين.
لو قرأنا حالهم في بغداد اليوم، لم نجد غير التخطيط للهيمنة والتفرد والإقصاء والتسلط والتطرف واغواء افرادهم الحزبيين لدرجة استحمارهم كرق وعبيد. هذا غير النزوع للاستثراء المالي بسبل الخيانة وجمع الثروة من غير رحمة.
حينما يمتهن شعب بسبب اغراءات الساسة، فبديهي انه سيكفر باليوم الذي انتخبهم فيه. ولن يحظى سياسي مهما كانت وجهته بتقدير مستقبلي خاصة بعد الذي حصل بالعراق وما يتوقع أن يحصل في غضون شهور السنة الميلادية الجديدة التي احتفى العالم بأعياد فجرها مستذكراً منجزات حكوماته وساسته وخدماتهم لشعوب دولهم.
على صعيد التفكير السياسي المهيمن على معامل تفريخ الساسة الجدد، فقد تركز داء عظمة الحزب حتى باض صنمية وزرائه ومستشاريهم ووكلائهم وتفقس عن مدراء وبرلمانيين غير مناسبين إلا من شذ من هذه القائمة التي لا تنتهي برقم لإستطارتها في انتاج الرّكع السجود لصنمية زعيم التشكيل السياسي. مع ان العالم الديمقراطي تحكمه منظومة قيمية دستورية وفق آليات تتناسب ورقي المنظومة وتعرض نتائجها وزارة التخطيط للشعب المفتخر بانتخابه الكتلة او الحزب والكيان مع ما فيه من بقايا الصنمية. وعادة ما تظهر لائحة المنجزات الدولية نهاية كل عام.
لكن الشعب العراقي الذي فتكت به النظم البائدة حتى سقوط نظام المشنوق صدام إحصين، هب للسماء فرحاً بالديمقراطية وعمته الفرحة من اقصاه لأدناه واستهل شهداؤه والاموات سروراّ بالخلاص من الصنمية الفردية ونزعة الحزب الواحد. ومرّ عام تخاتلت فيه أوثان ملونة مارست التسقيط والتلاعن حتى تكشفت عوراتهم في مسمى الديمقراطية دون ان يقترفوا حسنة العدالة والايثار كما في مراكز الدول التي صدّرت الديمقراطية للعراق.
لذا جاز السؤال: هل أزيلت الفوارق الطبقية ام تركزت اليوم اكثر فاكثر في العراق بين السياسي والمواطن؟ السياسي هنا نخص به الوزير، المستشار، المدير، البرلماني واي حزبي يستبشر حينما نتهمه انه عادل وانهم جميعا سواسية كأسنان المشط مع ابناء الشعب.!
المنطق السياسي ببغداد يعيب على منطق السواسية في عصر غاب عنه الزهد والصلاح والوطنية. فكيف يصبح الحاكم والمحكوم والسائس والمسيس سواسية في الراتب والحقوق المالية والمسكن والملبس والمطعم وفي استهلاك الكهرباء والماء والوقود ومتع الحياة.؟!
مما يستفز المتحزبين لصنمهم الزعيم الحزبي او وزير من كتلتهم وقائمتهم ويستنفر معاداتهم للناقد هو اشادته برموز انسانية خلدها الدهر كنيلسون ماندلا مع ان افريقيا كانت ولازالت ملك يمينه. وكذا لو اكثرنا الكلام عن إيثار ونضال ارنستو تشي جيفارا وتركه منصب الوزارة في هافانا. فمثل هذه التذكيرات ترفع درجة حرارة المتحزب، ويرفع من هستيريته تقييمنا ماضي قادته الجدد وفاقتهم المريرة وشظف عيشهم البائس لأكثر من عشرين سنة معارضة قضوها في شتات العواصم، مع انه لا عيب في الفقر وان اغلب عظماء الانسانية كانوا فقراء بما فيهم الانبياء، لكن الفارق ان ديمقراطيينا رتبوا حالهم المادي بعد صدام وقضوا ما في ذممهم مما حرموا منه على عكس ساسة الاصلاح الذين استمروا في حياة مؤاساة افقر فقراء شعبهم وبذلك خلدوا واستحقوا منزلة الاسوة.
عند عموم المتحزبين صوراً ملمعة ومنمقة لنجوم حزبهم يرفضوا مقارنتهم حتى بعبد الرحمن سوار الذهب محرر السودان من براثن الديكتاتور جعفر النميري. فلا عُدم ساستنا ولا ثكلتهم امهاتكم لانهم المصطَفون من بين 30 مليون عراقي بهروا عظماء الارض بمواساتكم ضعفاء العراق الذين استقبلوهم عندما دخلوا العراق ركّعا سجّداً يستصرخون الشياطين لتحقيق اهداف الشعب وآماله.!
إلامَ وانّى وأين سيشارك الساسة ضيم الشعب ويكشفون عنه غمه؟
ومتى سيتحقق ما سمعناه من [الرساليين الربانيين] في البرلمان دعوتهم للتبرع بمرتباتهم الكبرى- أقل مرتب شهري للسياسي السيادي او البرلماني 40000 اربعون الف دولار امريكي فقط لا غير مع رحلتين في العام واحدة للبيت الحرام والثانية الى دولة اجنبية حيث تقيم عائلته- هذا غير السيارة الخاصة والقصر المشيد والاراضي (زراعية او تجارية او سكنية) والشركة الفلانية والعلانية والهدايا والنذورات والباجيرو والشوفروليت والهمر والجي ام سي التي يترواح عددهن لحماية النفر (السياسي) الواحد حوالي درزن ونصف درزن سيارات مجهزة بمتطورات الكشف والاسلحة تسير بموكب منتظم في شوارع العاصمة وبقية المحافظات بانسيابية وبمشهد حضاري هادئ للغاية،! دون ضوضاء وازعاج وأذى للشارع العراقي ولأهله. تأسياً بوزير الطاقة والتغيّر المناخي البريطاني كريس هون الذي تسببت مخالفة مرورية في استقالته بعد اكتشاف استخدامه اسم زوجته بمخالفة مرورية بسيطة، فبادر معاليه الى تقديم استقالته بعد اتهامه من قبل النيابة العامة بحرف سير العدالة. وكذا الامر جرى على السيدة فيكي برايس الخبيرة الإقتصادية التي تواجه التهمة نفسها والتي تتعلق بمخالفة سرعة عام 2003، بعد أن ضبطت كاميرا المراقبة زوجها كريس هون أثناء قيادة سيارته فوق حاجز السرعة المسموح قريبا من العاصمة لندن.
فكم رصدت العيون ومسكت الكاميرات واكتشفت التحريات وعرضت الوثائق والافلام أرقاماً لمخالفات مذهلة تورط بها حكام ديمقراطية العراق ومقربيهم واتباعهم؟ اذ لاتزال تزكم انف المتابع جيف حوادث التجارة والكهرباء والبلديات ومجالس المحافظات وفضائح السوداني والسيد حبيب والفلتة الركابي وجناب الموقر الساعدي ومخازي البصرة وصلاح الدين وكركوك والزوية وساحات النجف الاشرف ومآسي مدينة الصدر.. والاعداد الهائلة من الفضائيات والصحف والمواقع والشركات وبجملة واحدة: كل ابتكارات الحرمنة التي اضطلع بها وبامتياز اصحاب الدولة والسيادة والمعالي والسعادة والاساتذة في عراق ما بعد المعدوم صدام التكريتي.
ولم نسمع بشريف واحد قدم استقالته متبرئا الى الله مما يفعله سفهاء الديمقراطية.
تذكر مصادر التأريخ ان علياً امير المؤمنين وهو خليفة وحاكم قد جاء بحديدة حماها بالنار فقربها من يد اخيه لأمه وابيه الصحابي الضرير عقيل بن ابي طالب لانّ عقيلاً طلب منه قرضا مؤقتا من بيت المال، فأنّ عقيل انيناً.. فقال له امير المؤمنين: "يا عقيل أتئنّ من حديدة أحماها إنسانها للعبه وتجرّني الى نار سجّرها جبارها لغضبه"؟.
وتذكر المصادر أيضاًّ: ان الشريف الرضي نقيب الطالبيين كان يعاقب المسيء من الطالبيين ضعفي العذاب.! لكن حكام ديمقراطية العراق تهاونوا وتسامحوا مع انفسهم ومع مقربيهم من سراق ملايين الدولارات من بيت مال العراقيين، ودافعوا عن حرامنة المال العام، وبعضهم ساوم- لاجل شفاء غله- حتى مع المجرم طارق الهاشمي برغم الوثائق التي تدينه في التصفية والقتل وتفجير العراقيين. فراح يتلو عهراَ ونفاقا سياسيا لا يصب في مصلحة العراق.. انما هي اضغان واحقاد لا تليق الا بالفاشلين المفلسين.
قال الاولون: لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع فإن الخير فيها دخيل، وعاشر نفساً جاعت بعد شبع فإن الخير فيها أصيل.
الى هذا تبقى الاسئلة تتطاحن بين الجوانح:
متى تنتهي مهزلة التفرد بالسلطة؟ ومتى تعدم الرغادةُ الفقرَ في العراق الثري؟ ومتى تتحد كلمة الساسة بسرائر نقية؟ ومتى يصبح الايثار مصدرا عند الساسة واحزابهم؟
متى نرى حكومة خالية من السارق والمرتشي والخائن؟ متى سيرتقوا الى ثقة شعبهم التي اكرمهم بها في صناديق الاقتراع.؟
ما لنا لا نرى شعارا واحدا يُطبق من شعارات رفعتها حمية الانتخابات؟
ما لنا يصم اسماعنا صخب المراوغة والتزلف للخصم البعثي الصدامي وغير الصدامي؟
متى تنتهي مهزلة استعراض العضلات بين شركاء الحكومة؟
متى يشعر العراقي بمواطنته ويحظى بحقوقه وتنعدم الفوارق ويعود الكل عباداً لله سواسية بنظر القانون؟
في زيارة لمرقد الكاظمين المطهرين قبل اشهر، وفي طوافنا سمعنا هاتفا يصرخ خلفنا مع- دفعة جاءتنا على حين غفلة- تطالبنا بالانفراج لسياسي ديمقراطي جديد: افتح المجال. تنح جانبا افتح الطريق.!
ربما ينبئ هذا الصراخ بقوة تدين ساستنا وتعلقهم بالزيارة. لذا أحاط هذا النموذج نفسه بزمرة من الحماية يؤزون الزوار أزاً لفسح المجال كي تتناول يد السائس شباك الروضة الكاظمية فيدعو للشعب بمزيد من التوفيقات.!
جميع ساستنا في موضة داعرة تشتد عند وقوعهم في أدنى أزمة واقل هرمجدون، تراهم يتوسلون صدور المجالس الدينية والشعبية وتجدهم يسارعون لكل عزاء جماهيري فيه لطم وخوط جدر قيمة. فيتظاهرون انهم مع احزان الجمهور تتباكى عيونهم كعيون تمساح، خاصة في محرم الحرام ومناسبات الاحزان فيهرعون للسواد متوشحين لفافات خضر على الرقاب. صفرٌ وجوههم، خمصٌ كروشهم، ذابلةٌ شفاههم، متقرحة عيونهم لفقد مواطن تخطفته مفخخة او أزهق روحه انتحاري او إخترقت رأسه طلقة ارهابية. وتعاهدوا ان لا يخلعوا ثوب الحزن مضربين عن الطعام بعدما تفجرت مراقد العراق المقدسة حتى يأخذوا بالثأر ويُجدد البناء بأبهى ما كان عليه.!
أحزابنا الدينية والعلمانية وفوق البنفسجي






Google



|

Open all references in tabs: [1 - 5]

Leave a Reply