يصعب حصر اهتماماتها، وعضويتها في كثير من المؤسسات التي تنتمي إليها، لكن مفتاح الأزهرية ومحور انشغالاتها واحد تقوده روح متصوفة عاشقة للانهماك فيما هو إنساني، وعلى قمة أجندتها في ذلك الحوار مستندة إلى وسطية هي بالأساس تكوين معرفي تلقته في حياتها، وأخذته فيما بعد عن المؤسسة العلمية الأعرق في بلاد المسلمين (الأزهر).
رأت د.عائشة المناعي في التصوف والانهماك داخل معارفه، ما يشبع رغبة قديمة لديها في دراسة علم النفس، الذي نالت درجته من كلية التربية، لكن الأشواق التي نثرها كبار المتصوفة أشبعت كثيرا من فضول وحب معرفي لديها عن أشواق الروح وأمراض النفس وعللها، وتوجت ذلك بالاقتراب كثيرا من عالم المتصوف الشهير «السهروردي» في رسالة نالت عنها درجة الماجستير، ولأن الحوار ديدنها، والبحث عما هو مشترك بين أطياف الأمة على تعدده وتنوعه، واحد من غاياتها، فقد انشغلت ولا تزال في مؤسسات ولجان تعاين فكرة «التقريب بين المذاهب» وإذا كان هذا التقريب انشغالا خاصا على مستوى الأمة فقد وسعت مدارك الحوار إلى الآخر، وهي الناشطة في «حوار الأديان».
بمجمل الاهتمامات تلك تتجاوز «عميدة كلية الشريعة» في جامعة قطر، دور الأكاديمية المنعزلة ضمن إطار البحث العلمي والإداري متجاوزة إياه إلى تقديم صورة، عن المرأة ضمن إطار كبير هو المشروع النهضوي العربي الإسلامي, وهي التي عاينت من موقع بحثي مقولات المفكر الجزائري الإسلامي مالك بن نبي عن النهضة وشروطها.
وبين قليل من النساء، تحتل موقع عمادة كلية ظلت طويلا حكرا على الفقهاء الذكور، في خطوة أعادت فيها جامعة قطر الاعتبار لمكانة المرأة في تبوء منصب كان يعتقد أنه اختصاص الذكور.
في مستهل حياتها الأكاديمية في «الخريطيات» بدت الدوحة إذ ذاك بعيدة ما حدا بجدها «لإيقافها» عن الدراسة عاما، استأنفت بعده دراستها، متوجة تطلعاتها الأكاديمية بالدراسة في «الأزهر الشريف» الذي تدين له بوسطيتها وانفتاحها على تنوع وتعدد مدارس الفقه الإسلامي.
تحتفظ في ذاكرتها بالكثير ممن تدين لهم بعلومها، ومسلكياتها في الحياة، إلا أن من بين هذه الصور تطل صورة حية هي صورة العلامة الشيخ يوسف القرضاوي، حيث نهلت من علمه ومن خطبه أيضا معارف جمة.
إلى جانب انهماكها في العمل الإنساني ونافذته الهلال الأحمر القطري الذي ترى فيه تأكيدا على الوجه الإنساني للجميل وأيدي الخير القطرية، تحتل المناعي موقعها في لجنة جائزة الدولة التشجيعية والتقديرية، لافتة إلى أن هناك العديد من المبدعين القطريين الذين يغنون المشهد الثقافي والعلمي بجهودهم.
«العرب» التقت عميدة كلية الشريعة في جامعة قطر ونائب رئيس البرلمانيين العرب في هذا الحوار عن قرب في إطلالة على عالمها البحثي والإداري:
درست ودرست وقطعت عوالم كثيرة لكن عشقك للتصوف هو الحاضر الأزلي لديك, ما سر هذا التعلق بالتصوف؟
- أنا خريجة كلية التربية- الدراسات الإسلامية، أخذت الماجستير والدكتوراه من الأزهر الشريف، لكن قبل ذلك دعني أقول لك إن رغبتي الأساسية كانت التخصص في مجال «علم النفس» ولأنه للأسف لم يكن متاحا لي ذلك، ولم يكن هذا التخصص موجودا، فإن ذلك الحلم أو الرغبة ظلت تراودني، وربما كانت بوابتي لدراسة النفس وعوالمها هي دراسة «التصوف الإسلامي» لأنه حسب ما هو متعارف عليه فإنه علم الأخلاق وتهذيب النفس أيضا، فالمتصوف هو صاحب الأخلاق، وهنا اعتماد كبير وأساس أيضا على أن النفس وتربيتها ومعرفة عللها وسلامتها هي ركيزة المتصوفة.
هنا كان شعوري أن هذه الآفاق التي يمنحها التصوف في التعرف على رحاب النفس الإنسانية يشبع رغبتي في دراسة علم النفس، قد يكون نزوعا تصوفيا كما تشير, وقد يكون فضولا وطموحا أعلى بدراسة النفس البشرية، وما زلت أشعر بهذا الشعور, أي دراسة كوامن وتجليات النفس الإنسانية، ومن وجهة نظري وما هو ثابت أيضا هو أن الجسد البشري هو الفاني والزائل، فيما الروح باقية، فلذلك فإن أهل الفلسفة والمتصوفة قد ركزوا بشكل أساسي على الروح ونزوعاتها.
وكما أشرت فإن علم التصوف هو من وجدت فيه ضالتي وقدرته على أن يروي ظمئي تجاه هذا العلم المتجول في آفاق النفس، ولذا كانت بدايتي في عالم «السهروردي» صاحب عوارف المعارف هو غني عن التعريف فهو المتصوف الكبير, يعتد في منهجه على القرآن والسنة وهو محدث من بين المحدثين الكبار، ومفسر من المفسرين يتخذ من علمه ذاك بوابة للحديث في عوالم النفس أمراضها وعللها ونزوعها أيضا، بهذا المعنى أنهيت درجتي بكالوريوس إحداهما في التربية والأخرى في الشريعة, ودرجة الماجستير.
متصوف حقيقي
لماذا السهروردي بين المتصوفة الآخرين الحلاج أو ابن الفارض أو غيرهما هو الذي استهواك؟
- ربما أولئك من عليهم ملاحظات عقدية وشرعية كثيرة، ووجدت دراسة السهروردي أكثر أمنا في هذا الجانب، وهو له وزنه عند المحدثين، وعند المفسرين والمتصوفة أيضا، وربما هو الأقل من المتصوفة الذين عليهم انتقادات فأحببت دراسته في هذا المجال, خاصة أن هذا المجال في قطر لم يكن مطروقا, وكان الاشتغال في التصوف بِكرا، وبعيدا عن المفاهيم المجتمعية, والتصوف قد يكون مرفوضا عند البعض، أردت ضمن هذا المفهوم الاتجاه إلى تصوف مبني على الكتاب والسنة، التصوف الحقيقي والذي أشعر أنه يمكن أن يعطي تصورا حقيقيا عنه، هنا أدرك أيضاً أن للكثيرين مآخذ عليه، على الصعيد الشخصي أردت أن أتعمق في هذا المجال حضرت ندوات كثيرة، وشهدت مجالس ذكر وشعرت بمتعة شديدة، رغم أنه في نظرتي للأمور، لدي نظرات نقدية كثيرة للتصوف الذي أحببته جدا، وفي الوقت نفسه يمكنني على الصعيد النقدي أن أقول إن هذه الطريقة خاطئة لجهة اصطدامها بالمعلوم من العقيدة والشريعة، وهذا النوع من الأذكار غير صحيح، وهذا الأسلوب التصوفي غير صحيح، ولكن بالموازاة لجهة التصوف الحقيقي فأنا ميالة إليه, ومحبة له, فالحقيقة أنني لست متصوفة وإن كان لدي نزوع لذلك.
في الابتدائية
حرقنا كثيرا من مراحل سيرتك الذاتية كيف تبدو لك الأيام الأولى على مقاعد الدرس في المراحل المبكرة؟
- أنا على الصعيد الحياتي وفي طفولتي إنسانة عادية جدا درست الابتدائية أولا إلا أنني بعدها لم أستطع دراسة الإعدادية لأن جدي لأمي كان يرفض أن نذهب إلى الدوحة -كنت وقتها في الخريطيات- إذ إنها بعرف الخمسينيات كانت بعيدة، كان شعاره -رحمه الله- «نحن ليس لدينا بنات يدرسن في الدوحة» توقفت لمدة عام عن الدراسة لكن شاء الله لي أن أتابع دراستي بعد وفاة جدي رحمه الله، عدت إلى الدوحة وأكملت دراستي ربما كان ما يميزني في تلك الآونة أنني مجتهدة جدا، شعاري منذ الطفولة وما بعدها أن علي بذل الجهد وقد أوفق أو لا أوفق, فذلك متروك لقدري ومشيئة الله. وفلسفتي في الحياة «أن الإنسان عليه أن يبذل المجهود والباقي على المعبود» ومؤمنة باتخاذ الأسباب.
لست فقيهة
أنت بين قليل من النساء اللائي يرأسن عمادة كلية الشريعة التي بقيت طويلا حكرا على الذكور ما شعورك حيال كسر ذكورية هذا الموقع الأكاديمي؟
- من المهم الإشارة هنا إلى أنني لست فقيهة، لم أدرس أصول الفقه بمعنى أنني لم أتخصص به, رغم أنني محبة لهذا التخصص، ودرسته أيضا، وهو يعتمد بشكل كبير على العمل العقلي، وكنت فعلا حتى في المرحلة الجامعية أتمنى التخصص في أصول الفقه, وشاء القدر أن أتخصص في الفلسفة والعقيدة، وتعتمد هذه بدورها أيضا على الملكات الذهنية والفكرية، فمن هذا المنطلق كان تخصصي، وفي مرحلة الدكتوراه، اخترت أيضا موضوعا قريبا من اهتمامي، وما زلت حتى اليوم مهتمة فيه، وأعمل عليه، وهو الحوار ومحاولة التقريب بين المذاهب، وكانت رسالتي للحصول على درجة الدكتوراه هي «الشريعة بين المعتزلة والشي