دراسة نفسية تؤكد إمكانية اجتثاث الأفكار المتطرفة رغم الصعوبة

يؤكد اري دبليو. كروغلانسكي استاذ علم النفس في جامعة ماريلاند الأميركية والباحث في المركز القومي لدراسة الإرهاب، أن علم النفس يمكن اجتثاث الأفكار المتطرفة لأعتى المتطرفين، رغم صعوبة تصديق ذلك.

ولفهم كيف يحصل الأمر، ينبغي في المقام الأول، استيعاب كيف يحدث الاتجاه للتطرف.

مصطلح التطرف يعني التمسك باتجاهات متشددة تنحرف عن الأعراف المقبولة والتصرف بناء عليها. ومع ذلك فالاتجاهات طيعة وعرضة للتغيير؛ فيمكن للأفراد اعتناق الأفكار المتطرفة والتخلي عنها ثمّ العودة إليها مرة أخرى.

تجدر الإشارة إلى أنّ التخلي عن الافكار المتطرفة شيء، وفهم كيفية حدوث ذلك شيء آخر تماما. ببساطة يعتمد التخلي عن الأفكار المتطرفة على ثلاثة أشياء؛ وهي الحاجة والرسالة والشبكة.

الخطوة الأولى نحو نبذ التطرف تشمل الاعتراف باحتياجات المتطرفين التي تشكل دوافعهم ومعتقداتهم وواقعهم. كثيرا ما نرى الذي نريد أن نراه فقط، ونصدق ما نريد أن نصدقه. فان الحجج السليمة وإن كانت قوية يمكن أن تكون غير مقنعة تماما إذا كانت تتعارض مع احتياجاتنا.

أما الخطوة الثانية فهي صياغة رسالة تعترف بحاجة الشخص للشعور بالأهمية والاحترام وتوفر وسائل غير عنيفة لتلبية تلك الحاجة. لهذا السبب تُستخدم البرامج الحالية للتخلص من الفكر المتطرف في بعض الدول التي يعيش فيها عدد كبير من الإسلاميين المتطرفين، ما هو أكثر بكثير من الحجج الدينية في مواجهة العنف.

تلبي برامج في السعودية وسنغافورة والعراق، حاجة المعتقلين للشعور بالأهمية من خلال توفير التعليم المهني وإيجاد فرص العمل وحتى في بعض حالات الزاوج.

والخطوة الثالثة هي أن ندرك أن الشبكة الاجتماعية التي نشأ فيها المتطرفون، عنصر في غاية الاهمية في تطرفهم أو تخليهم عن التطرف. فان اتجاهات ومعتقدات الناس تترسخ في الواقع المشترك لجماعتهم.

فالتطرف يحدث في السياق الاجتماعي الذي تشكله العائلة والاصدقاء والشخصيات الكاريزمية. كذلك فان التخلص من الفكر المتطرف لا يمكن أن يحدث من فراغ اجتماعي.

وبرامج اجتثاث التطرف المتطورة مثل تلك الموجودة في السعودية أو سنغافورة، تكسر ديناميكيات الجماعات المتطرفة من خلال فصل قادتهم المعتقلين والاعضاء الاساسيين عن أنصارهم. كما أنها تلجأ الى الاستخدام الحكيم لعائلات المتطرفين، إذ تتم دعوتهم لممارسة تأثير معتدل على المعتقلين قبل خروجهم، مما يساعد في منع انزلاقهم الى التطرف مرة أخرى.

فما هي العقبات التي تحول دون اجتثاث التطرف؟؟

أحد العوامل هو انخفاض إدراك المتطرفين المسلحين الذاتي بالاهمية بعد ترك ساحة المعركة. ففي اجتثاث الأفكار المتطرفة لدى "نمور التأميل" على سبيل المثال، كثيرا ما شكا المسلحون السابقون من أن الوظائف الجديدة ليست مثيرة - أو "لا تمنح الشعور بالاهمية" - بنفس قدر ما كانوا يفعلونه في أيام قتالهم؛ حسب ما جاء في الدراسة.

العامل الآخر هو مكانة المتطرف في التنظيم. فقد يحظى القادة بمستوى أعلى من الأهمية الشخصية بالتنظيم عن المجندين. وهذا قد يعني أنهم سيقاومون التغيير أكثر من أتباعهم.

قد تعتمد مقاومة اجتثاث التطرف أيضا على مدى الحاجة الى تغيير في الاتجاهات. فالتبرؤ من جميع أعمال العنف لأسباب أخلاقية أو دينية، يتطلب تغييرا في الاتجاه أعمق من فك الارتباط الشخصي بالعنف؛ وهو الامر الذي يمكن أن يحصل رغم الاستمرار في التغاضي عن قيام الآخرين بذلك. وبالمثل فإن النبذ التام للعنف أصعب من النبذ المحدود مثل نبذ العنف ضد المسلمين الآخرين.

ويتطلب التخلي عن المعتقدات المتطرفة، التي تأصلت في منظور الفرد للعالم منذ مرحلة الطفولة، التغيير الأكبر، ومن ثم يثير أكبر قدر من المقاومة. وباختصار فمن الاهمية بمكان تحديد نوع اجتثاث التطرف الذي نُنشده، وما هو ممكن على مستوى الواقع.

وفيما يُحتجز آلاف المتطرفين في السجون بمختلف أنحاء العالم، باتت قضية اجتثاث التطرف أكثر إلحاحا من أي وقت مضى. وعلى الرغم من أن مبادئ علم النفس لاجتثاث التطرف ليست غامضة فان تطبيقها يتطلب مهارة وقدرة إبداعية وموارد.

لكن ما من سبيل أفضل للرد على هذا التهديد. مثلما قال المرشح الرئاسي الأميركي السابق عن الحزب الجمهوري ميت رومني ساخرا إن الحكومات لا يمكنها أن "تخرج من هذه الفوضى بالقتل" ولا ينبغي لها.

ان اجتثاث الأفكار المتطرفة ضرورة عالمية تستحق أقصى درجات اهتمامنا والتزامنا. هذا هو التحدي الجوهري لعصرنا.

Leave a Reply