الحراك الشعبي السوري… والأربعون حرامياً

«إذا رأيت الأمير سمن بعد الهزال فاعلم أنه قد خان رعيته وخان ربه»
مالك بن دينار في «تنبيه المغتربين» للشعراني

يَذْكُر بوعلام الجوهري في «البعد الدعوي في أعمال مولود قاسم نايت بلقاسم»، مصطلح «المَحْدَكِيَّة» كمرادف اصطلاحي للمركوبية عند بلقاسم والقابلية للاستعمار عند مالك بن نبي. والمحدكية اصطلاحاً هي «إهانة الذات وإذلال النفس». وحسب ما جاء عند الجوهري هي «مرض نفسي» يتمثل في أن «يبصق الإنسان الى أعلى ليرتد ويسقط البصاق على وجهه». وبعيداً عن تفاصيل هذا التوصيف السيكولوجي لهذه الحالة «المازوخية»، وبعيداً عن أي جدل حول إشكاليات علم النفس الحديث وعلاقة تصنيفاته للسلوك البشري بإمكانيات تطويعه، تبدو «المحدكية» تفسيراً منطقياً، وإن غير واف تماماً، لتصريحات بسمة قضماني ــ القيادية في المجلس الوطني السوري ــ حول ضرورة وجود «اسرائيل» وحاجتنا إليها.

وأكثر، يبدو هذا المفهوم، أيضاً، مفيداً لتوصيف تصرفات وتصريحات الكثير من الليبراليين العرب (والحالة الليبرالية في بلادنا عموماً)، ولفهم شعورهم الدائم بالدونية والمَذَلَّة في حضرة الرجل الابيض، وإدمانهم إهانة ذاتهم وإذلالها، بالإصرار دائماً على تأكيد تطابق رؤيتهم للعالم ولذاتهم وللسيد الأبيض كما يراها هو. لكن، ليس هذا الارتداد المستمر لبصاق الليبرالي على وجهه مَرضاً حقاً كما افترض الجوهري الذي يبدو مُتَلَقياً غير نقدي لتصنيفات علم النفس الحديث، لأنّ ذلك يوجب إن صح، بالضرورة، العُذر، وأيضاً العلاج ــ إذا تجاهلنا تبعات تطويع وتشكيل السلوك البشري في المجتمع الحديث. بل هي حالة، وحالة وجودية في ذلك، كالغباء تماماً، لا عذر لها ولا علاج. حالة يمكن فقط توصيفها، لا علاجها. قد تكون «اسرائيل» مهمة للمشروع الإمبريالي الغربي، وتقدير ذلك ينبع من خدمتها للمصالح الإمبريالية سياسياً، اقتصادياً، وعسكرياً أساساً. لكن هذه الحاجة (الأداتية والوظيفية) لها ليست «حباً» باليهود أو تعاطفاً معهم، أو اقتناعاً «بحقهم» في كيان، فهذه المفردات لا وجود لها في معجم السياسات الإمبراطورية، ولا حتى في أي معجم سياسي آخر. لكن محاولات الأذِلّاء من العرب (الليبراليين خاصة) المستمرة في التماهي لأقصى درجة مع العقل الغربي الليبرالي، تقودهم إلى المبالغة في التوصيف لنيل إعجاب من يحتقرهم ومن، ربما، يستمتع وبسادية بمازوشيتهم، ولذلك يفضحهم دائماً امتحان الموقف من الكيان الصهيوني (وهم بذلك كالطاووس الذي يَفْرِد أجنحته الملونة معجباً بنفسه غير واع أنّه بذلك يكشف خلفيته). لا يبدو من السياق (كما جاء في الفيديو الخاص بتصريحات قضماني على يوتيوب) أنّ السيدة قضماني تدرك حقاً معنى كلمة «حاجة» و«ضرورة»، رغم قدرتها على نطقها بالفرنسية (وهذا شيء آخر لا يبدو أنّ فرانكفونيي العرب يدركونه، بسبب قصر النظر الناتج من الاقتناع بأنّ التلفظ بأي لغة غير العربية، هو دليل وعي وحضارة ودليل على صحة الموقف) ولا تشرح لنا كذلك، هذه العبقرية، كيف يمكن فهم ذلك في حالة حاجتنا إلى وجود الكيان الصهيوني ــ هل ستشرق الشمس من الغرب، وهل ستختل موازين الطبيعة والكون والنظام العالمي لو لم يوجد هذا الكيان البغيض أو حين يلقى مصيره بالزوال؟ كان أبن خلدون، وهيغل، وماركس، واسبنغلر، وتوينبي، سيصرخون من قبورهم إعجاباً وحسداً لعبقرية قضماني في التاريخ وأطوار الحضارة والدول، لو رأوا وسمعوا مداخلتها الفذة في اللقاء الذي جمعها مع مجموعة من دعائيي الكيان البغيض الأهم الذين احتفل بهم معرض الكتاب في باريس في الذكرى الستين لاغتصاب فلسطين.
لكن المؤسف والمحزن أنّ هذه المهرجة تَدَّعي الحديث باسم الثورة السورية وتمثيل خريطة دم شهدائها. هذا يجعل قلوبنا تنفطر مرتين حين نسمع أخبار أهلنا في سوريا، ومع كل سقوط لضحايا جديدة: مرة لأنّهم حقاً يستحقون نظاماً أفضل، وأخرى لأنّ ثورتهم تستحق، ككل ثورة، من لديه، على الأقل، حدّ أدنى من الكرامة واحترام الذات ليتحدث باسمها، ويمثل خريطة دمها.
كانت، ولا تزال ويجب أن تبقى، الحماسة الكبيرة للثورات العربية في كل مكان محقة وفي محلها، رغم اليأس والإحباط الذي يصيب البعض بفعل تعقيدات الظروف المحيطة بالثورات وتكالب الكثيرين عليها، بمن فيهم من يدعون الحديث باسمها. فالثقافة السياسية الجديدة التي أمل الكثيرون سيادتها في المنطقة (ولم يفت الوقت على ذلك بعد)، بديلاً لثقافة آل سعود السياسية التي تأمل أميركا و«اسرائيل» تعميمها، بدت كفيلة بتأسيس البنية التحتية لمنطقة جديدة وحتى عالم أفضل. لذلك، ربما يكون أكثر الأمور إيلاماً وتنغيصاً على النفس وأيضاً تشويهاً لهذا الوعد الثوري العظيم الذي حمله حراك الثوار العرب، هو ادِّعاء بعض هولاء الأذِلاء تمثيل هذه الثورات، وهو ما يدفع الكثير من الناس الذين تحمسوا بداية للحالة الثورية إلى النفور من أعظم فكرة عرفتها الإنسانية على الإطلاق. ليست المشكلة في أنّ بسمة قضماني اعتبرت وجود الكيان الصهيوني حاجة، فهذا لن يقدم ولن يؤخر في الصراع مع هذا الكيان أو عمره، وهو بالتأكيد لا يمثل وجدان الشعب السوري العظيم. لكن المأساة أنّ هذه الفهلوية، وفي زحمة سيلان الدم السوري الغالي، تنافس على قيادة المجلس الوطني السوري الذي يَدَّعي الحديث باسم الثورة وباسم الدم المراق يومياً هناك. وهذا المجلس رغم تركيبته الغريبة العجيبة، لا يتفق أعضاؤه على شيء أكثر مما يتفقون على ما يُشَوه ثورة الشعب السوري ويدفع الكثيرين الى الاصطفاف مع النظام، ويُعَقِّد بالتالي بساطة جواب السؤال الذي لم يجد الإنسان العربي نفسه مضطراً للتفكير فيه ملياً قبلاً في حالات اخرى: مع الشعب أم مع النظام؟ ولأنّ المجلس السوري وبمواقف مثل تلك التي عبرت عنها قضماني، وتصريحات كتلك التي أطلقها برهان غليون سابقاً (إعلانه الدخول في الحلف المعادي للمقاومة اللبنانية والفلسطينية «لإسرائيل» واستعداده لمفاوضتها في لحظة حوار (أو تخلّ) ليبرالية مع إعلام الرجل الأبيض) لا يخدم إلا الأجندة الأميركية ــ الإسرائيلية ــ السعودية المعنية بقتل فكرة الثورة (والإصرار على وضعها نقيضاً للمقاومة)، وإمكانات الثقافة السياسية الجديدة الواعدة في مهدهما، فهو يبدو عدواً للثورات العربية كلّها، وليس للسورية فقط.
مؤلم حقاً أن يكون الجدل الدائر لدى شعوبنا المضهدة والمقهورة والمنهوبة والمسلوبة الإرادة، هو على الثورة (وعلى المقاومة نتيجة الحملة الأميركية ــ الإسرائيلية ــ السعودية)، وليس حول ما بعد الثورة وكيفية دعم المقاومة. نعم، تتحمل الأنظمة المسؤولية الكبرى، ويحق لنا أن نلومها على كل شيء، حتى على الطقس السيئ. لكن لا يجوز أن نُغفل اللوم على من يساهم بتشويه الفكرة الأعظم التي اكتشفها الإنسان بادعائه الحديث باسمها، فيما هو يبيع روحه لأقذر الأنظمة وأكثرها انحطاطاً. ولا يجوز، كذلك، أن لا يكون اللوم مضاعفاً على نظام قبيح يجمع بين الحالتين كما هي الحال في نظام آل سعود المستبد والظالم والقاهر الذي كان منسجماً فقط بوقوفه ضد كلّ الثورات بدون استثناء (يتناسى ذلك من ينتقدون بحدّة التحفظ على مدعي قيادة بعض الثورات) وعمل ويعمل على إبطال مفاعيلها وتجييرها، وكان أيضاً الممول لتشويه فكرة الثورة ومحاربة المقاومة والصلح مع «إسرائيل». وإذا أحرج الدم السوري الغالي البعض سابقاً من انتقاد من يدعي الحديث بإسمه، فإنّ مسؤولية الدم بعد كل هذا الوقت تجعل من السكوت عليهم تآمراً على هذا الدم. لا توجد طريقة مقبولة للدفاع عن أي نظام عربي من المحيط للخليج (وفكرة السلطة بكل مستوياتها م